Regulatory & Compliance

    الأعمال التجارية وحقوق الإنسان في قطر: الإطار القانوني والالتزامات المتوقعة من الشركات

    بقلم ناتالي صويص · Sep ٨, ٢٠٢٦ · ٨ دقيقة قراءة

    Illustration for the article: Business and Human Rights in Qatar: The Legal Framework and What Companies Are Expected to Do

    لم يعد الامتثال لمعايير حقوق الإنسان مسألة سياسات طوعية بالنسبة للشركات العاملة في دولة قطر، ذلك أن الالتزامات الرئيسية التي كانت توصف فيما مضى بأنها توقعات دولية أصبحت اليوم مجسدة في تشريعات وطنية ملزمة، تُنفذ من خلال التفتيش والجزاءات الإدارية، وفي أحوال معينة من خلال المسؤولية الجزائية.

    ويظل الأساس التشريعي متمثلاً في القانون رقم (14) لسنة 2004 بإصدار قانون العمل وتعديلاته، الذي ينظم عقود العمل وساعات العمل والإجازات والسلامة والصحة المهنية وإنهاء علاقة العمل. وقد تعزز هذا الأساس تعزيزاً جوهرياً خلال العقد الماضي، إذ استحدث القانون رقم (1) لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون العمل نظام حماية الأجور، الذي يوجب تحويل الأجور إلى حساب العامل لدى إحدى المؤسسات المالية داخل الدولة خلال المواعيد المقررة في القانون وقراراته التنفيذية، ويعرّض الإخلال بذلك صاحب العمل لجزاءات إدارية من بينها وقف التعامل مع الوزارة المختصة.

    كما تناولت سلسلة لاحقة من الإصلاحات شروط مغادرة العمال للدولة وتغييرهم لصاحب العمل. فقد ألغى القانون رقم (13) لسنة 2018 بتعديل بعض أحكام القانون رقم (21) لسنة 2015 بتنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم اشتراطَ حصول العامل الخاضع لقانون العمل على تصريح خروج من صاحب العمل، ثم ألغى القانون رقم (19) لسنة 2020 اشتراط شهادة عدم الممانعة للانتقال إلى صاحب عمل جديد. وبالتوازي مع ذلك، حدد القانون رقم (17) لسنة 2020 بتحديد الحد الأدنى للأجور للعمال والعمال المستخدمين في المنازل حداً أدنى غير تمييزي للأجر مقداره 1,000 ريال قطري شهرياً، إضافة إلى بدل غذاء لا يقل عن 300 ريال قطري وبدل سكن لا يقل عن 500 ريال قطري ما لم يوفرهما صاحب العمل عيناً، وذلك اعتباراً من 20 مارس 2021. أما العمال المستخدمون في المنازل، وهم خارج النطاق العام لقانون العمل، فيخضعون للقانون رقم (15) لسنة 2017 بشأن العمال المستخدمين في المنازل، في حين تعالج أشد صور الاستغلال بموجب القانون رقم (15) لسنة 2011 بشأن مكافحة الاتجار بالبشر، الذي يقرر عقوبات سالبة للحرية وغرامات مشددة.

    وتتركز المخاطر العملية لدى غالبية المنشآت التجارية في ثلاثة مجالات متمايزة. أولها التوظيف ورعاية العمال، بما يقتضيه ذلك من توثيق عقد العمل واعتماده وفقاً لقانون العمل، وعدم تحميل العامل أي رسوم استقدام، وأداء الأجور في مواعيدها من خلال نظام حماية الأجور. وثانيها السكن وظروف العمل، بما في ذلك الالتزام بالاشتراطات المقررة لسكن العمال وبالقرارات الوزارية التي تقيّد العمل تحت أشعة الشمس خلال أشهر الصيف. وثالثها سلسلة التوريد، حيث قد تُسأل الشركة، تعاقدياً أو من حيث السمعة أو أمام الجهات العامة، عن ممارسات مقاولي الباطن ومورّدي العمالة ووكلاء الاستقدام المتعاملين معها.

    وتعمل المعايير الدولية إلى جانب هذه المتطلبات الوطنية لا بديلاً عنها. فالمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، التي أقرها مجلس حقوق الإنسان سنة 2011، ترسي مسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان من خلال التزام معلن بالسياسة، وبذل العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، وإتاحة سبل الانتصاف، وقد أسهم التعاون الفني المستمر بين دولة قطر ومنظمة العمل الدولية في مواءمة جانب كبير من الإطار الوطني مع تلك المبادئ. وينبغي على الشركات التي تورّد سلعاً أو خدمات إلى السوق الأوروبية أن تراعي كذلك التوجيه (الاتحاد الأوروبي) 2024/1760 بشأن العناية الواجبة لاستدامة الشركات، إذ سيترتب عليه أن يطلب الطرف المتعاقد المؤسس في الاتحاد الأوروبي من مورديه في الدولة، وبصورة متزايدة، إثبات سياساتهم وقنوات التظلم لديهم وسجلات التدقيق الخاصة بهم.

    ويقوم الموقف الامتثالي السليم في العادة على أربعة عناصر، ينبغي توثيق كل منها وإتاحته للتفتيش أو للممول أو للطرف المتعاقد عند الطلب. فيجب أن تتوافر سياسة لحقوق الإنسان معتمدة من مجلس الإدارة ومعممة داخل المنشأة؛ وتقييم للمخاطر يحدد المواضع التي تتعامل فيها الشركة وشركاتها التابعة ومورّدوها مع العمال الأكثر عرضة للخطر؛ وضوابط تشغيلية تترجم السياسة إلى ممارسة، تشمل مراجعة العقود ومراقبة الأجور وتفتيش السكن وفحص الموردين؛ وآلية للتظلم يسهل على العمال الوصول إليها بلغة يفهمونها، مصحوبة بسجلات تثبت التحقيق في الشكاوى الواردة وحسمها فعلياً.

    والمنشآت التي تتعامل مع هذه المتطلبات بوصفها إجراءً توثيقياً شكلياً كثيراً ما تكتشف القصور في أقل الأوقات ملاءمة، سواء أثناء تفتيش عمالي، أو في مرحلة تبادل المستندات في نزاع قائم، أو عند تقييم عطاء يكون فيه إثبات الامتثال عنصراً حاسماً. أما حين يُبنى هذا الإطار في مرحلة مبكرة ويُحافظ عليه بوصفه جزءاً من الحوكمة المعتادة لا بناءً يُعاد تشييده تحت الضغط، فإن كلفة الامتثال تنخفض انخفاضاً ملموساً ويغدو المركز القانوني للشركة أشد رسوخاً.