العودة إلى المستجدات
    Arbitration & ADR

    دور التحكيم في تسوية المنازعات

    قراءة في أنواع التحكيم ومزاياه واستقلالية اتفاقه والطعن في أحكامه والاعتراف بها وتنفيذها في ضوء القانون القطري.

    محمد القشاش

    Sep ٢٩, ٢٠٢٦

    ١٨ دقيقة قراءة

    Illustration for the article: The Role of Arbitration in Dispute Resolution in Qatar

    مقدمة

    يعتبر القضاء هو أحد أهم مرافق الدولة الذي يلبي حاجة الأفراد من خلال حسم المنازعات بينهم، مما يؤدي إلى استقرار الأوضاع القانونية في المجتمع، إلا أن التحكيم له دور مهم بالفصل في المنازعات وحسمها. ولكن بطء التقاضي والتراخي في فض المنازعات في النظام القضائي الرسمي الذي تشرف عليه وتديره الدولة، يؤدي إلى التأخر في تحقيق العدل والعدالة، فلا يخفى على أحد بطء إجراءات التقاضي أمام المحاكم، بدءاً بالإعلان ومروراً بعقد الجلسات وتأجيلها - في حال تم التأجيل- انتهاء بإصدار الحكم، فقد تستغرق إجراءات التقاضي العديد من السنوات، وهذه المدة الطويلة بالنسبة للمعاملات والعقود التجارية ستؤدي إلى خسارة فادحة حتى لمن صدر لمصلحته الحكم وهذا ما ينافي العدالة، وكما قيل إن «العدالة البطيئة هي عدالة غائبة وظلم محقق».

    ومن ثم أصبح من الضروري إنشاء وسائل بديلة لفض المنازعات الاستثمارية، ويدخل في عداد هذه الوسائل التحكيم. ويعد التحكيم الطريقة الجيدة والمقبولة لحسم المنازعات التجارية لأنه يأتي مناسبا مع طبيعة عقود الاستثمار، ويأتي منسجما مع رغبة المستثمرين بالابتعاد عن القضاء الرسمي للدولة المستثمرة والتي عادة ما ينظر إليها نظرة الشك والريبة، وأصبح للتحكيم أهمية في المجال الاستثماري بين الدول، وهذه الأهمية تزداد يوما يعد يوم، وذلك بسبب اللجوء إليه في المنازعات التجارية وفي منازعات العقود الدولية، حتى أنه أصبح يقال إن التحكيم في منازعات الاستثمار هو الأصل، وأن اللجوء إلى القضاء هو الاستثناء.

    وفي عصرنا الحالي داخل مجال العقود الدولية تجمع الأنظمة القانونية لمختلف الدول على أن العقـود الدوليـة يحكمها قـانون إرادة الأطراف أي القـانون الـذي يتفقون صراحة أو ضمنا على تطبيقه، ونظرا لكون العقود الدولية تكون في الغالب بـين أطراف تنتمـي إلى دول مختلفة وتختلف قوانين تلك الدول في معالجة القضايا التي تطرح نتيجة الخلاف بين الأطراف. مما جعلهم يلجؤون إلى نظام حديث لحسم خلافاتهم الناتجة عن تعاقداتهم، فلا يكاد يخلو عقد من عقود التجارة الدولية من شرط يشار فيه إلى إتباع التحكـيم.

    أولاً: ماهية التحكيم

    التحكيم هو أصل القضاء، وقـد وثـق المحتكمون فـي أن التحكـيم قضاء، مـن يتولاه يتنزه عـن كـل نقيصة تخــل بميــزات العدالــة القائم بالقسط والمحكم قــاض، وإن كان خاصاً يلتزم الموضـوعية في تقييم الأمور، والحياد والاستقلال فـــي مواجهة مـــن يحكم فيهم. بيد أن التحكيم كأداة لتسـوية المنازعات بـين الأشخاص، لها خصوصية وهي خصوصية قوامها أمران: الأول، إرادة المحتكمين حيث يتفقـون على طـرح النزاع على شخص معين أو أشخاص محددين ليفصلوا فيه بحكم ملزم لهم.

    الثاني، اعتراف القانون بدور تلك الإرادة بحسبان أن طريق التحكيم، ظل حتى وقت قريب استثناء من الأصل العام، حيـث لا يجـوز إجبـار الأشـخاص على سـلوكه وحرمانهم مـن اللجوء إلـى قضاء الدولـة، إلا عن رضـاء واختيـار تـامين، وبتلك المثابـة فـإن إرادة الأشـخاص لا تكفـي وحـدها كأسـاس، لقيـام التحكـيم وفصله في نزاعهم، بل لابد أن يتم ذلك في حدود القواعد التي يضعها القانون لتنظيم التحكيم وإجراءاته.

    تعريف التحكيم

    تتعدد التعاريف التي يوردها الفقه القانوني للتحكيم، ومنها:

    يعرف التحكـــيم بأنه اتفاق الأطراف على اختيار شخص محكَّم أو أكثر، يفصل فيما يثور مستقبلًا أو يثور فعلًا بينهم من منازعات، بحكم ملزم دون المحكمة المختصة.

    ويعـرّف أيضًا بأنه الاتفاق على طرح النزاع على شـخص أو أشخاص معينين ليفصلوا فيه دون المحكمة المختصة به.

    وفي قول فقهي ثالث يعرف التحكيم بأنه نظام لتسوية المنازعات عن طريق أفراد عاديين، يختارهم الخصوم، إمـا مباشـرةً أو عن طريق وسيلة أخرى يرتضونها.

    وقد عُرف فـي الفقـه الفرنسـي بأنـه: الحكم فـي منازعة بواسـطة أشـخاص يـتم اختيـارهم، كأصـل

    عام بواسطة أشخاص آخرين، وذلك بموجب اتفاق.

    كما عرفت محكمة التمييز في حكمها الصادر من الدائرة المدنية والتجارية برقم 164 / 2014 التحكيم بأنه طريق استثنائي لفض الخصومات قوامه الخروج عن طرق التقاضي العادية وما تكفله من ضمانات، ويستند أساساً إلى حكم القانون الذي أجاز استثناءً سلب اختصاص جهات القضاء.

    ثانياً: أنواع التحكيم

    أولًا: التحكيم العادي والتحكيم مع التفويض بالصلح

    التحكيم بالقانون (التحكيم العادي) هو ذلك التحكيم الذي تلتزم فيه هيئة التحكيم بالفصل في النزاع وفق قواعد القانون الموضوعي أو الإجرائي الذي يتم تحديده من قبل الأطراف المحتكمين أو من قبل هيئة التحكيم ذاتها عند سكوت الأطراف، ويلاحظ أن قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية القطري رقم 2 لسنة 2017 أجاز للأطراف، أيا كان نوع التحكيم الاتفاق على الإجراءات التي تتبعها هيئة التحكيم دون التقيد بالإجراءات التي ينص عليها قانون التحكيم.

    التحكيم مع التفويض بالصلح (طبقا لقواعد العدل والأنصاف) هو ذلك التحكيم الذي لا يتقيد فيه المحكمون بقواعد القانون الموضوعي عند الفصل في النزاع؛ حيث يمكن الفصل في النزاع استنادا إلى قواعد العدالة، ولو أدي ذلك إلى استبعاد قواعد القانون واجبة التطبيق. هذا ولا يعني التفويض بالصلح القضاء لكل طرف بجزء من ادعاءاته، وإنما يعني أن المحكم المفوض بالصلح يجب عليه أن يفصل في النزاع وفقا للعدالة دون التقيد بقواعد القانون الموضوعي غير المتعلقة بالنظام العام، فهو قد يصدر حكما يقضي فيه لاحد الطرفين بكامل طلباته.

    والأصل في التحكيم انه يجري طبقا لقواعد القانون، بينما التحكيم طبقا لقواعد العدل والإنصاف هو الاستثناء، وهو ما يترتب عليه لزوم النص عليه في الاتفاق صراحة، وعند تفسيره يجب التزام التفسير الضيق. ولكن يلاحظ انه في كلا النوعين، وان كان المحكمون لا يتقيدون بأوضاع المرافعات، إلا انهم يتقيدون مع ذلك بالمبادئ الأساسية للتقاضي، كضرورة احترام حقوق الدفاع، وتمكين الخصوم من أبداء طلباتهم ودفوعهم ودفاعهم.

    ثانيًا: التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي

    يكون التحكيم داخليًا أو كما يسميه البعض بالتحكيم الوطني إذا كان النزاع مدنيا أو تجاريا وكان يمس دولة واحده؛ حيث تنص الأولى من المادة الثانية من قانون التحكيم القطري على "مع عدم الإخلال بأحكام الاتفاقيات الدولية النافذة في الدولة، تسري أحكام هذا القانون علي كل تحكيم بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص، أيا كانت طبيعة العلاقة القانونية موضوع النزاع، إذا كان هذا التحكيم يجرى في الدولة، أو كان تحكيماً تجارياً دولياً يجري في الخارج واتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام هذا القانون"، والمعني المقصود –في المادة السابقة- هو صدور حكم تحكيم في قطر، أيا كان المكان الذي تبدأ أو تتم فيه الإجراءات سواء في قطر أو في الخارج، فالعبرة إذا بمكان التحكيم سواء داخليًا أو خارجيًا هو بمكان صدور حكم التحكيم، والمقصود بصدور الحكم في دولة معينة أن تكون هذه الدولة قد انعقدت فيها جلسات التحكيم، ولهذا تسمي بدولة مقر التحكيم، وهي عادة الدولة التي اتفق الأطراف علي أجراء التحكيم فيها.

    كما يكون التحكيم دوليًا إذا كان موضوعه حسم نزاع مشتمل على عنصر أجنبي فالتحكيم الدولي هو الذي يمس أكثر من دولة، ولكن يجب أن يشتمل على عنصرين وهما: أن يكون تجاريا أي يجري حول علاقة قانونية ذات طابع اقتصادي، ويعتبر النشاط ذات طابع اقتصادي حتى لو كان هذا النشاط مهنيا أو فنيا، فلا يلزم أن تكون العلاقة بين تجار، كما تعتبر العلاقة اقتصادية حتى لو كان محل النزاع ليس عقدًا أو عملًا تجارياً.

    وكذلك أن يكون التحكيم دوليًا، ويكون التحكيم دوليًا إذا كان موضوعه نزاعاً يتعلق بالتجارة الدولية، وهذا ما ذهب إليه القانون القطري للتحكيم في الفقرة الرابعة من المادة الثانية؛ حيث حددت أحوال معينة يكون فيها التحكيم دولي وهي:

    أ- إذا كان المقر الرئيسي لعمل أطراف اتفاق التحكيم، وقت إبرام الاتفاق واقعاً في دول مختلفة، فإذا كان لأحد الأطراف أكثر من مقر للأعمال، تكون العبرة بمقر العمل الأوثق صلة بموضوع اتفاق التحكيم، وإذا لم يكن لأحد أطراف اتفاق التحكيم مقر أعمال، تكون العبرة بمحل إقامته المعتاد.

    ب- إذا كان المقر الرئيسي لأعمال كل أطراف اتفاق التحكيم يقع في نفس الدولة وقت إبرام اتفاق التحكيم وكان أحد الأماكن التالية واقعاً خارج هذه الدولة:

    - مكان التحكيم كما حدده اتفاق التحكيم أو أشير فيه إلى كيفية تحديده.

    - المكان الذي ينفذ فيه جزءٌ جوهري من الالتزامات الناشئة عن علاقة الأطراف.

    - المكان الأوثق صلة بموضوع النزاع.

    جـ- إذا كان موضوع النزاع الذي يشمله اتفاق التحكيم متعلقاً بأكثر من دولة واحدة.

    د- إذا اتفق الأطراف على اللجوء إلى مؤسسة تحكيم دائمة يوجد مقرها داخل الدولة أو خارجها.

    ومتي توافر الشرطان السابقان اعتبر التحكيم تجاريا دوليا، وذلك بصرف النظر عن جنسية أطرافه أو جنسية المحكمين أو الدولة التي تم فيها التصرف القانوني محل التحكيم، أو الدولة التي يجري فيها التحكيم، أو القانون الذي يحكم إجراءات التحكيم أو يحكم الموضوع.

    وللتفرقة بين التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي أهمية بالنسبة لبعض التشريعات؛ فبعض التشريعات تضع قواعد خاصة للتحكيم التجاري الدولي لا تنطبق على غيره، ومنها القانون الفرنسي والقانون التونسي، هذا في حين أن بعض التشريعات تضع قواعد موحده للتحكيم مثل القانون الألماني والقانون الهولندي.

    أما القانون القطري، فالاتجاه الغالب عليه هو وضع قواعد (موضوعية) تسري على كلا التحكيمين فيما عدا بعض (القواعد الإجرائية) التي خص بها التحكيم التجاري الدولي.

    ثالثًا: التحكيم الحر والتحكيم المؤسسي

    التحكيم الحر (الخاص) وهو ذلك التحكيم الذي يقوم فيه أطراف النزاع بتنظيم عملية التحكيم منذ ميلادها وحتى انتهائها بصدور حكم التحكيم، فهم يتولون إبرام اتفاق التحكيم قبل نشوء النزاع أو بعده، ويختارون أعضاء هيئة التحكيم ويحددون زمانه، ومكان انعقاده، ولغته، والقواعد الإجرائية التي تحكم خصومة التحكيم، والقانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع. وذلك كله دون الخضوع إلى إشراف مركز دائم أو مؤسسة دائمة للتحكيم.

    أما التحكيم المؤسسي يتفق فيه الأطراف على أن يتم التحكيم في مركز دائم للتحكيم أو مؤسسة تحكيمية دائمة سواء كانت وطنية أو دولية؛ حيث يتم التحكيم وفقا لنظام هذا المركز وإجراءاته. وقد صار هذا النوع هو الغالب في المنازعات التجارية الدولية لما يحققه من مزايا، وقد أقر قانون التحكيم القطري رقم 2 لسنة 2017 هذين النوعين من التحكيم.

    رابعًا: التحكيم الاختياري والتحكيم الإجباري

    يكون التحكيم اختيارياً متى استند إلى سلطان الإرادة وحده، أي بناءً على اتفاق طرفي النزاع وبمحض إرادتهما الحرة؛ فأساس التحكيم الاختياري هو الإرادة الحرة للطرفين وهذا هو الأصل في التحكيم فالتحكيم صناعة اتفاقية مصدرها إرادة الطرفين في الاتفاق المبرم بينهما.

    رغم أن الأصل في التحكيم أن يكون اختياريا إلا أن القانون ينظم أحيانا أيضا تحكيماً إجبارياً، حيث يوجب على الأطراف الالتجاء إليه لحل المنازعات المتعلقة بروابط قانونية معينة، فيلتزم الأطراف بالالتجاء إليه بدلا من الالتجاء إلى القضاء العادي.

    ثالثاً: مزايا التحكيم كوسيلة لفض المنازعات

    1. تشجيع الاستثمارات الأجنبية ودعم عملية التنمية الاقتصادية الشاملة.

    تعتبر هذه المـزة الأكثر إيجابية بالنسـبة للدولة المستضــيفة للاســتثمار حيث أضحى قضاء الدولة غير مناسب بنظمه وقواعد عمله لتسوية منازعات التجارة الحديثـة، وقـد أثبـت الواقـع أن البـديل الملائم هو التحكيم الـذي عمـل على ترسـيخ مجموعـة مـن الحلـول التي تتجـاوب وخصوصـية متطلبات التجارة الدولية وعقودها.

    فالتحكيم وســيلة للإشراف والرقابة في منازعات عقود التنمية الدوليـة والاقتصادية، فيصعب خضــوع دول لقضاء دول أجنبيــة، خاصة مـع زيادة الاستثمارات الأجنبية في الدول النامية، قــد قابل ذلك اشتراط المسـتثمرين الأجانب لشروطهم على تلـك الدول، ومــــن بينها إخضاع كافة المنازعات الناشـئة عـن الاستثمارات لقضاء التحكـيم بدلا من القضاء الوطني الذي يكون مختصاً عادة بنظر هذه المنازعات إعمالًا للقواعد العامة في الاختصاص القضائي الدولي.

    إذا فالتحكيم في عقود الاستثمار الحكومية تقتضيه مصلحة الدولة في تشجيع الاســتثمارات وضـرورات التنمية الاقتصادية، بحيث أن كافة الدول – وخاصة الدول النامية- تتسابق فيما بينها على اســتقطاب أكبر قدر ممكن من رؤوس الأموال الأجنبية، وأن هذا الأمر يتطلـب منها أن تســمح بتسـوية المنازعات الناشئة عن عقود الاستثمار الحكومية عن طريق التحكيم؛ و ذلك لأن المستثمرين دائماً لا يرغبون بعرض ما ينشأ عن نزاعاتهم مع الدولة المضيفة على القضاء الوطني لتلك الدول خشيةً من تحيز القضاء الوطني لدولتـه متأثراً مـن ضغوطات السلطة التنفيذيـة عليهـا، فضــلًا عـن أن مجرد اعتبار التحكـيم وسيلة لتسوية منازعات عقود الاستثمار الحكومية يبعث الطمأنينة و الثقة في نفوس المستثمرين و تشجيعهم على إبرام عقود الاستثمار، لأنها تتمتع بضمانات دائمة.

    وقد بات التحكيم التجاري الدولي واقعاً يفـرض نفسه كشـرط حتمي لبقاء الدولة في المنظومة الاقتصادية الدولية، وإذا استبعدت الدولة قبـول هـذا الشرط فإنه يؤدي إلى استبعادها من المنظومة الاقتصادية الدولية.

    2. حرية أطراف النزاع في اختيار القانون الواجب التطبيق على التحكيم.

    إن اللجوء إلى التحكيم كوسيلة لفض الخصومات يرجع إلى الحرية التي يتمتع بها أطراف الخصومة التحكيمية في اختيار القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم، بالإضافة إلى حرية اختيار هيئة التحكيم والقانون الذي يحكم النزاع، الأمر الذي يؤدي لتجنـب العديد من المشاكل التي قد تثار في ميدان تنازع القوانين بالنسبة لعقود الاستثمارات الحكومية مع مسـتثمرين أجانـب، نظراً لما يوفره التحكيم للأطراف من إفساح المجال لأطرافه في تعيين القواعد الإجرائية والموضوعية الواجبة التطبيق.

    ولا يعني اختيار الأطراف لقانون معين أنه يجب أن يكون قانون دولة معينة؛ بل من الممكن للأطراف أن يختاروا قوانين متعددة من دول مختلفة بشكل مجزأ لحسم النزاع، فضلا عن اختيار قواعد أخرى لحسم النزاع لا يشترط أن تكون ذات مصدر وطني.

    في حالة غياب اتفاق الأطراف الصريح أو الضمني، يمكن للمحكم أن يختار القانون الأنسب للنزاع بناء على الصلة والرابطة القوية بين ذلك القانون وموضوع النزاع، وعند تحديد القانون الأنسب، يجب على المحكم مراعاة شروط العقد والعرف التجاري السائد في نوع النشاط لتحديد القانون الملائم. كما أن المحكم يمكنه ممارسة سلطته وفق القواعد العدل والإنصاف شريطة اختيار الأطراف لهذا الأسلوب.

    سرعة الفصل في النزاع.

    تأتي في مقدمة مميزات الالتجاء إلى التحكيم، رغبة أطراف العلاقة القانونيـة بالبت بنزاعاتهم بسرعة وسلاسة بعيداً عن روتين وبطء إجراءات التقاضي التـي تنطبـق عليها فـي بعـض الأحيان مقولة (العدالة البطيئة نوع من الظلم). فهو يغلق باب المماطلة التي قد يلجأ إليها الطرفان أمام القضاء لكسب الـدعوى، ولا يوجد في التحكـيم تعدد درجات التقاضي التي توجد في القضاء، بالإضافة إلى أن المحكم يصدر حكمه بشكل نهائي وملزم للخصوم.

    وأيضاً فـإن تسوية المنازعات بواسـطة التحكيم تحقـق السرعة والبساطة فـي الإجراءات، وقـد اشترطت معظم أنظمة ومؤسسات التحكيم وضع مدة معينة يتوجب صدور حكم التحكيم فيها لتفادي التأخير، إذا لم يحدده الأطراف في اتفاق التحكيم.

    وتعتبر هذه الميزة ضرورية لكلا طرفي عقد الاستثمار الحكومي سواء الدولـة المهتمة بتنفيذ بنود عقد الاستثمار والاستفادة القصـوى منه في عملية التنمية مع تقلـيص الخسائر والمدفوعات، وكذلك المستثمر الذي يسعى لتحقيق الربح بأسرع مدة وتلافي الخسائر.

    السرية.

    تـنص معظم عقود الاستثمار على اختيار التحكيم كوسيلة لتسـوية المنازعات لتجنب مبدأ العلنية الذي يعتبر من أسس النظام القضائي، حيث يعد مبدأ العلنية من أسـس القضاء وضمانة لتحقيق العدالـة إلا أنها قـد تنقلب وبالًا على التجار إذا كان من شـأنها إفشاء أسـرار صـناعية أو تكنولوجية أو اتفاقات خاصة يحرصون على إبقائها سرية.

    وتتجلى أهمية السـرية فـي عقود الاستثمار الحكومية حيث التحكيم يوفر السـرية لأطراف النزاع، فطبيعة هذه العقود تنطوي على تنفيــذ مشــاريع ضخمة قــد تكون ذات طابع علمي أو عسكري فيه من الأسرار والأمور التي قد لا ترغب الدولة في إبرازها للعلن، بالتالي ظهرت ضرورة الأخذ بنظام قانوني يتيح السرية وهذا ما يتوافر بالتحكيم الذي يتسم بالسرية ويتيح لأطرافه الاتفاق على عدم الإعلان عن الأحكام، وهو ما تنص عليه أغلبية القوانين الخاصة بالتحكيم.

    حرية الأطراف في اختيار محكمين متخصصين.

    يتسنى للأطراف اختيار محكمين يمتلكون خبرات تخصصية دقيقة في موضوع النزاع (مثل الهندسة، البترول، الملاحة البحرية، أمن المعلومات، ...)، ويضمن اختيار المتخصصين فهم الدقائق الفنية والتقنية للملف دون الحاجة لسلسلة طويلة من إحالات إلى الخبراء القضائيين.

    سهولة الاعتراف بالأحكام وتنفيذها دوليًا.

    تُسهل اتفاقية نيويورك 1958 الخاصة بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها (التي تضم أكثر من 170 دولة) إمكانية تنفيذ حكم التحكيم خارجياً بسلاسة تفوق تنفيذ الأحكام القضائية الوطنية، كما أن أحكام التحكيم تكون حائزة لقصية الأمر المقضي فيه بمجرد صدورها، ولا تخضع لدرجات استئناف متعددة، بل تقتصر على دعوى البطلان ضمن حالات محددة وشكلية بحصر القانون.

    رابعاً: أثر اتفاق التحكيم ومبدأ استقلاليته

    الأثر الإيجابي لاتفاق التحكيم يقصد به التزام أطرافه باللجوء إلى التحكيم ومنح هيئة التحكيم السلطة والاختصاص للفصل في النزاع، أما الأثر السلبي لاتفاق التحكيم فيقصد به عدم اختصاص المحاكم الرسمية للدولة بالفصل في النزاع الذي يشمله الاتفاق. وإذا رفع أحد الأطراف دعواه أمام القضاء العادي، وجب على المحكمة -بناءً على دفع المدعى عليه قبل إبدائه أي طلب أو دفاع في الموضوع- أن تقضي بعدم قبول الدعوى لوجود شرط التحكيم.

    ويُعد مبدأ استقلالية شرط التحكيم من أهم المبادئ المبتكرة في الفقه والقضاء الحديث. ومفاده أن شرط التحكيم يعتبر اتفاقاً مستقلاً تماماً عن بنود العقد الأصلي الذي ورد فيه. وبالتالي فإن بطلان العقد الأصلي، أو فسخه، أو إنهائه لا يمتد تلقائياً إلى شرط التحكيم. بل يظل الشرط قائماً وصحيحاً لتتولى هيئة التحكيم النظر في صحة العقد الأصلي أو بطلانه أو فسخه، ما لم يكن سبب البطلان قد شاب ذات الإرادة التي اتجهت لإبرام شرط التحكيم نفسه.

    خامساً: الطعن في أحكام التحكيم (دعوى البطلان)

    الأصل أن تحوز أحكام التحكيم بمجرد صدورها حجية الأمر المقضي به وتكون نهائية وغير قابلة للطعن فيها بطرق الطعن العادية، إلا أن التشريعات أوجدت طريقاً استثنائياً واحداً لحماية الأطراف، وهو دعوى بطلان حكم التحكيم.

    وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 33 من قانون التحكيم القطري رقم 2 لسنة 2017على:

    "لا تُقبل دعوى بطلان حكم التحكيم إلا إذا قدم طالب البطلان دليلاً يثبت أي من الحالات التالية:

    أ- أن أحد أطراف اتفاق التحكيم وقت إبرامه كان فاقداً للأهلية أو ناقصها وفقاً للقانون الذي يحكم أهليته، أو أن اتفاق التحكيم غير صحيح، وفقاً للقانون الذي اتفق الأطراف على أن يسرى علي هذا الاتفاق، أو وفقاً لهذا القانون إذا لم يتفقوا على ذلك.

    ب- أن طالب الإبطال لم يٌعلن إعلاناً صحيحاً بتعيين أحد المحكمين أو بإجراءات التحكيم، أو تعذر على طالب الإبطال تقديم دفاعه لأي سبب آخر خارج عن إرادته.

    ج- أن حكم التحكيم قد فصل في أمور لا يشملها اتفاق التحكيم، أو جاوز حدود هذا الاتفاق. ومع ذلك إذا أمكن فصل أجزاء الحكم المتعلقة بالمسائل الخاضعة للتحكيم عن أجزائه الخاصة بالمسائل غير الخاضعة له، فلا يقع البطلان إلا على الأجزاء الأخيرة فقط.

    د- أن تشكيل هيئة التحكيم أو تعيين المحكمين أو إجراءات التحكيم، قد تم بالمخالفة لما اتفق عليه الأطراف وذلك ما لم يكن الاتفاق متعارضاً مع أحد أحكام هذا القانون مما لا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفته، أو في حالة عدم وجود اتفاق أن يكون ذلك قد تم على وجه مخالف لهذا القانون."

    وتجدر الإشارة إلى أن دعوى البطلان ليست استئنافاً؛ فلا يجوز للقاضي الناظر في دعوى البطلان أن يعيد فحص موضوع النزاع أو يراجع تقدير الهيئة للأدلة، بل يقتصر دوره على التثبت من سلامة الإجراءات وعدم مخالفة النظام العام.

    سادساً: الاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها

    نصت المادة 35 من قانون التحكيم القطري رقم 2 لسنة 2017 على:

    "لا يجوز رفض الاعتراف بأي حكم تحكيم أو رفض تنفيذه، بصرف النظر عن الدولة التي صدر فيها، إلا في الحالتين التاليتين:

    1- بناءً على طلب الطرف المطلوب تنفيذ الحكم ضده، إذ قدم هذا الطرف إلى القاضي المختص، الذي قدّم إليه طلب الاعتراف أو التنفيذ، دليلاً يثبت إحدى الحالات التالية:

    أ) أن أحد أطراف اتفاق التحكيم وقت إبرامه كان فاقداً للأهلية أو ناقصها وفقاً للقانون الذي يحكم أهليته، أو أن اتفاق التحكيم غير صحيح، وفقاً للقانون الذي اتفق الأطراف على أن يسري على الاتفاق، أو وفقاً لقانون الدولة التي صدر فيها الحكم إذا لم يتفقوا على ذلك.

    ب) أن الطرف المطلوب تنفيذ الحكم ضده لم يعلن إعلاناً صحيحاً بتعيين أحد المحكمين أو بإجراءات التحكيم، أو تعذر عليه تقديم دفاعه لأي سبب آخر خارج عن إرادته.

    ج) أن حكم التحكيم قد فصل في أمور لا يشملها اتفاق التحكيم، أو جاوز حدود هذا الاتفاق. ومع ذلك إذا أمكن فصل أجزاء الحكم المتعلقة بالمسائل الخاضعة للتحكيم عن أجزائه الخاصة بالمسائل غير الخاضعة له، يجوز الاعتراف أو تنفيذ أجزاء حكم التحكيم التي فصلت في الأمور التي يشملها اتفاق التحكيم أو لم تجاوز هذا الاتفاق.

    د) أن تشكيل هيئة التحكيم أو تعيين المحكمين أو إجراءات التحكيم، قد تم بالمخالفة للقانون أو لاتفاق الأطراف، أو في حالة عدم وجود اتفاق أن يكون ذلك قد تم على وجه مخالف لقانون البلد الذي جرى فيه التحكيم.

    ه) أن حكم التحكيم لم يعد ملزماً للأطراف، أو قد تم إبطاله أو إيقاف تنفيذه من قبل إحدى محاكم الدولة التي صدر فيها ذلك الحكم أو وفقاً لقانونها.

    2- أن يرفض القاضي المختص الاعتراف أو تنفيذ حكم التحكيم، من تلقاء نفسه، في الحالتين التاليتين:

    أ) إذا كان موضوع النزاع مما لا يجوز الاتفاق على الفصل فيه عن طريق التحكيم وفقاً لقانون الدولة.

    ب) إذا كان الاعتراف بالحكم أو تنفيذه يتعارض مع النظام العام للدولة.

    وإذا تبين للقاضي المختص أن حكم التحكيم المطلوب الاعتراف به أو تنفيذه مطعون عليه بالبطلان أمام المحكمة في الدولة التي صدر فيها، يجوز له تأجيل الأمر بالتنفيذ بحسب ما يراه مناسباً، ويجوز له بناءً على طلب طالب الاعتراف أو التنفيذ أن يأمر الطرف الآخر بتقديم الضمان الذي يراه مناسباً.

    3- يجوز التظلم من الأمر الصادر برفض تنفيذ حكم التحكيم أو بتنفيذه أمام المحكمة المختصة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدور الأمر."

    سابعاً: التحديات الحديثة في التحكيم

    1. التحكيم الإلكتروني.

    هو التحكيم الذي تُدار كافة إجراءاته عبر وسائل الاتصال الحديثة والمنصات الرقمية؛ بدءاً من تقديم طلب التحكيم وتبادل المذكرات والمستندات، ووصولاً إلى عقد جلسات الاستماع عبر تقنيات الاتصال المرئي، وإصدار الحكم والتوقيع عليه إلكترونياً.

    ويتميز التحكيم الإلكتروني بخفض التكاليف المالية وتوفير الوقت وتجاوز العوائق الجغرافية، ولكن من جهة أخرى يقابله تحديات عديدة أهمها (الأمن السيبراني، حماية البيانات، والتحقق من الشروط الشكلية لشرط الكتابة والتوقيع الرقمي).

    2. الذكاء الاصطناعي والتحكيم.

    بدأ استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تحليل الأدلة، وإدارة المستندات، ومساعدة المحكمين في البحث القانوني. إلا أن إسناد عملية الفصل في النزاع كلياً لنظم الذكاء الاصطناعي يواجه عقبات قانونية وأخلاقية صارمة ترتبط بضرورة توافر العنصر البشري والمواجهة والعدالة التفسيرية.